عبد الشافى محمد عبد اللطيف
290
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ووجد أهل البلاد المتطلعون إلى مزيد من النفوذ والسلطان في الدعوة الجديدة ما يحقق آمالهم واستطاع أبو مسلم - الخراساني - أن يجتذب الدهاقين والفلاحين إلى دعوته « 1 » ، وأن يعبئ الجماهير في خراسان وما وراء النهر تحت رايته - لحساب العباسيين - ونجح في ذلك نجاحا كبيرا وضرب الضربة الأولى في إسقاط الدولة الأموية . فلما قامت الدولة العباسية كان عليها أن تفي بوعودها وتحقق شعاراتها وتثبت أنها عند حسن ظن الناس ، وإلا كان رد الفعل عنيفا وخطيرا . والحق أن العباسيين بذلوا جهودا كبيرة في هذا المجال ، وحاولوا محاولات جادة لتحقيق الشعارات التي رفعوها ، ومكافأة الذين ساعدوهم في إقامة دولتهم ومنهم أهالي ما وراء النهر ، وكان من وسائل ذلك توسعهم في استخدامهم في الإدارة وفي الجيش ، وقد وضحت هذه الظاهرة منذ عهد المأمون وازدادت بروزا في عهد المعتصم وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . وكانت كل تلك الإجراآت تصب في مجرى تعميق الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا في بلاد ما وراء النهر ، وسيزداد الإسلام رسوخا في البلاد مع مضي السنين خاصة تحت حكم الأسر التي حظيت بنوع من الاستقلال عن الخلافة العباسية كالأسرة الطاهرية ( 204 - 259 ه ) والأسرة السامانية ( 261 - 389 ه ) . والتي كان ظهورها في حد ذاته جزآ من السياسة العباسية ومكافأة الذين أخلصوا للخلافة ولم يتمردوا عليها ، وكان ظهور هذه الأسر بالفعل دفعة قوية للإسلام في بلاد ما وراء النهر ، فقد واصل الطاهريون السياسة التي وضع أسسها الأمويون ، وعمقها العباسيون ، وهي سياسة التمكين للإسلام في الداخل ودرء الأخطار الخارجية ، بل يمكن القول : إن الطاهريين كانوا أكثر إدراكا للخطر الذي هدد البلاد من الأتراك الشرقيين « 2 » . والذي مكن الطاهريين من القيام بدورهم الكبير في التمكين للإسلام في بلاد ما وراء النهر وفاؤهم للخلافة العباسية واحتفاظهم بعلاقات ودية قوية معها ، فلم يبددوا طاقاتهم وطاقاتها في التمرد ومحاولة الاستقلال الكامل عنها - كما فعل الصفاريون مثلا - بل حافظوا على الود واحترام الخلفاء إلى آخر عهدهم ، والخلافة
--> ( 1 ) د . حسن أحمد محمود - الإسلام في آسيا الوسطى ( ص 155 ) . ( 2 ) المرجع السابق ( ص 167 ) .